الشيخ محمد رشيد رضا

124

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وقتالهم والغدر بهم فهو خير لهم ، لأنهم لن يعجزوا اللّه في الأرض ولن يعجزوه هربا منها ، وقد وعد بنصر رسوله عليهم من قبل ان يكثر أتباعه ويبايعه أنصاره ، وأنجز له وعده في جملة غزواته معهم ، وسبب هذا الوعظ ان الايمان امر اختياري طريقه الموصل اليه الدعوة ودلائل الاقناع ، وذلك قوله في بقية الآية الثالثة ( فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ) الخ وفيها من الإخبار عن المستقبل ما صدقه الواقع ( الخامس ) استثناء بعض المشركين من نبذعهدهم وهم الذين عاهدهم المؤمنون عند المسجد الحرام في الحديبية سنة ست ولم ينقصوهم من شروط العهد ومواده شيئا ، ولم يظاهروا ويعاونوا عليهم أحدا من أعدائهم المشركين ولا أهل الكتاب ، كما نقض أهل مكة العهد بمظاهرة أحلافهم بني بكر على احلاف النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بني خزاعة ، والامر باتمام عهدهم إلى نهاية مدته ، وتعليله بأنه من التقوى التي يحبها اللّه تعالى . وهذا نص الآية الرابعة بشرط ان يظلوا مستقيمين عليه كما بينه في الآية السابعة ( السادس ) الامر في الآية الثامنة باستعمال جميع أسباب القتال معهم بعد انسلاخ أشهر الهدئة التي ضربت له وحرم فيها ، وهي القتل والأسر والحصر والقعود لهم في جميع المراصد لمراقبتهم ومنعهم من التجوال والتقلب في البلاد ، وهو يدل على شرعية استعمال ما يتجدد بين البشر من وسائل القتال الموافقة لأصول الاسلام العادلة الرحيمة - فان استعمل العدو ما هو مخالف لها قابلناه بالمثل لعموم قوله تعالى ( فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ ) ( السابع ) تخلية سبيل من يتوبون من الشرك بالنطق بالشهادتين ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ، لأنهم بهذا يدخلون في الاسلام ، ومن قبل الصلاة والزكاة والتزمهما فلا بد أن يلتزم غيرهما . وهذا نص الآية الخامسة ( الثامن ) ايجاب إجارة من يستجير النبي صلّى اللّه عليه وسلّم منهم - وفي حكمه الامام الأعظم ونائبه والقائد العام في حال الحرب - لأجل ان يسمع كلام اللّه ويقف على دعوة الاسلام وإبلاغه بعد ذلك المكان الذي يأمن فيه على نفسه من سلطان المسلمين ( التاسع ) تعليل نبذ عهد المشركين السابق وعدم استئنافه معهم بالأسباب الآتية ( ا ) انهم نقضوا عهد الحديبية بالغدر فلم يخبروا المؤمنين بذلك ليأخذوا اهبتهم